الشيخ السبحاني
26
الحياة البرزخية في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح
لها ، فترى نفسها عبداً لا يملك لنفسه شيئاً من خير أو شرّ ، أو نفعٍ أو ضرّ . ويرى الدنيا دار مجاز وما يستقبله فيها من غنى أو فقر ، أو أيّ نفع وضّرٍ ابتلاءً وامتحاناً الهياً ، فلا يدعوه تواترُ النعم عليه إلى الطغيان وإكثار الفساد ، والعلوّ والاستكبار ، ولا يوقعه الفقر والفقدان في الكفر وترك الشكر . ثم يخاطبها بخطاب آخر ويقول : « ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » ، وظرف الخطابين من حين نزول الموت إلى دخول جنة الخلد ، ثمّ يخاطبها بخطاب ثالث ورابع ويقول : « فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » وهما تفريعان على الخطاب الثاني الماضي أعني « ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ . . . » وقوله « فِي عِبادِي » يدل على أنها حائزة مقام العبودية وفي قوله « جَنَّتِي » تعيين لمستقرّها وفي إضافة الجنة إلى ضمير التكلم ، تعريف خاص ، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنّة إلى نفسه تعالى وتقدّس إلّا في هذه الآية « 1 » . والمخاطب في هذه الخطابات الأربعة ، ليس جسده البارد الذي صار بالموت بمنزلة الجماد ولا عظامه الرميمة الدفينة في طبقات الثرى ، بل نفسه وروحه الباقية غير الداثرة . ولوخُصَّ ظرف الخطاب بيوم البعثمن لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنة ، لما ضرّ بالاستدلال وان كان على الوجه الأوّل أظهر . والحاصل : سواء أقلنا بأنّ ظرف الخطاب هو زمان الموت أو قلنا بأنّه زمان البعث ، فالمخاطب هو نفس الإنسان لا بدنه ولا أعضاؤه فتدلّ على أنّها واقعهُ والباقي كسوة عليها .
--> ( 1 ) الطباطبائي : الميزان 20 : 213 ، مجمع البيان 5 : 489 .